لماذا المتنبي؟؟
حوار أجراه معي الشاعر الناقد والمحلل الساخر بشير عياد.
أين كان سينشر هذا الحوار ومتي وكيف؟،أسئلة لم أوجهها، ولم أشغل بها نفسي،لسببين أولها: المتنبي،هذا الشاعر الذي قال عنه أبو العلاء المعري،إذا قيل الشاعر مطلقاً، فإنما يقصد به المتنبي،أما غيره من الشعراء فلابد أن يذكر باسمه،ولست أدري كيف كان يمكن أن يكون لنا تراث شعري ونقدي، نرتفع به إلي مصاف أعظم الأمم ــ في مكانتها الأدبية ــ لو خلا هذا التراث من المتنبي.
إنه نموذج العبقرية التي لا تعتري العالم إلا مرة واحدة،فتترك به دويا عاصفاً لا يهدأ ، وقد وصف هو هذا الدوي لأنه الأعلم به عندما قال:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
وهذا النموذج الفذ بين العبقريات،لا يمكن أن يكون مبذولاً للناس علي إطلاقهم،لأن الإنسانية درجات،تبدأ أولها من منطقة المساس الحميم بالحيوانية، التي تنحصر حياة أفكارها ومشاعرها في إطار حواسها الخمس لا تتجاوزها،ثم تتدرج في صعودها حتى لاتحد, وعند درجة من درجات العلا العظيم يمكن للنفس الإنسانية أن تبدأ بالتقاط إشارات المتنبي وومضاته، وكلما ارتقت الدرجة ارتقي التجاوب و الائتلاف،أما الدركات الأولي فليس لها من قدرة الوعي بما أتاه المتنبي من شيء، وقد فطًّن المتنبي متلقيه لذلك،عندما قال:
وإذا خفيت عن الغبي فعاذر
ألا تراني مقلة عمياء
لذلك فلا سؤال عندي عندما يتعلق الأمر بالمتنبي.
أما الأمر الآخر الذي أكد عدم السؤال، فهو بشير عياد نفسه،إذ إنه هو نفسه نمط من المبدعين مختلف،لم يشغفه لغط النظريات والمناهج ولا وسوسة المصطلحات الجديدة ورغاؤها،وإنما أطلقته الشاعرة نفسه في فضاء الإبداع صوتا مختلفاً،لا يحتمل من العلامات والبصمات إلا ما اشتعلت نيران تجربته بأعماقه،فصار نصاً متفرداً،لم يتناص مع غيره، علي الرغم من تخمة ذاكرته الأدبية بألاف النصوص من عيون الشعر العربي وجباهه قديماً وحديثاً،وأطلق في النقد ذائقة تياهة بفرحة معانقة الجمال الكامن، الذي لا تدركه إلا بصائر العشاق وقلوب العارفين،ثم قد لنفسه من لحمة اللغة وسداها لغة تشتعل بالسخرية وتجوز بها إلي كل مفارقات الواقع وتناقضاته.
فهل يبقي للسؤال بعد ذلك موضع؟؟؟؟
الحـــــــــــــــوار
ــ لماذا اخترت شعر المتنبي موضوعًا لرسالة الدكتوراه بالرغم من أن كثيرين تناولوه قبلك؟
= أنا أعتقدُ أن المتنبي هو عاصمة الشعر العربي ، وهو عاصمه، وعصمته، إن شئت، بل هو عاصفة الشعر التي ستظل تهدر وتدوي (وكأنما تداول سمع المرء أنمله العشر)، ما كان الشعر شعراً، والإنسان إنسانا، وليست العبرة عند المتنبي ــ في ذلك ــ في ابتداعاته غير المسبوقة في أدوات الشعر ومقوماته، من لغة وتراكيب وصور وأخيلة، وإنما المرد كله في كشفه الصادم لأعماق النفس البشرية ومجاهلها السحيقة ، وعلاقة هذه النفس المتناقضة بعالم أشد تناقضا وأعظم تعقيدا ً، وما شعر المتنبي إلا رحلة هذه النفس في متاهات هذا الوجود ، ولم يكن المدح والهجاء في ذاك الوقت إلا مجرد الإطار الاصطلاحي لبنية القصيدة , لكي يبسط الشاعر رؤيته للعالم من خلاله، فمن الشعراء من استعبده هذا الإطار فلم يتجاوز شعره غاية المدح والهجاء في ذاتها، بالإضافة إلى قدر افتنانه في اتباع مقومات الشعرية السائدة في عصره أو الإضافة إليها، وهم الفئة الغالبة، ومنهم من فطن إلى هذه الأحبولة فتجاوزها إلى استشراف الغاية الحقيقية للشعر وعلى رأس هؤلاء المتنبي، وليست مسألة الأطر الهيكيلية هذه مقصورة على عصر بعينه بل هي قائمة في كل عصر أدبي وفي كل مذهب، ومن الأدباء من يستعبده هذا الهيكل فيصير عنده غاية، ومنهم من يتجاوزه إلى غايات أرحب .
ــ طه حسين ، مع عشقه لشعر المتنبي ، رأيناه يشكك في نسبه ، كيف ترى هذا الالتفات ؟
= لقد تأثر الدكتور طه حسين في رأيه عن نسب المتنبي بعبارة وردت عند ريجيس بلاشير عن المتنبي وهي قوله : " وهو العربي القح أو الذي يظن نفسه ذلك " ، وفيها لمز لعروبة المتنبي، واتسع الأمر عند الدكتور طه حسين ليصبح طعناً صريحاً في نسبه لأبيه، والحقيقة أن هناك غموضاً كثيفا في كتب التراجم والتاريخ الأدبي يحيط بنسب المتنبي ، ولكن المقطوع به أن هذا الغموض لا يمكن أن يؤدي إلي ما تصوره الدكتور طه حسين، لأسباب متعددة منها ضعف أدلة هذا الاتهام وتهافتها من مثل أنه لم يذكر أباه ولم يفخر به في شعره، ومنها أنه جعل من نفسه فخر آبائه ولم يجعل أباه مصدر فخره، وقد تصدى العلامة محمود شاكر لهذه القضية وفند أدلتها ثم أخذ في تحقيق نسب المتنبي فتوصّل إلى أن مصدر الغموض هو في أن أباه كان أحد كبار أئمة العلويين الذين كانوا يستخفون من العباسيين تقية من بطشهم وتنكيلهم بهم، وفي كتاب " المتنبي يسترد أباه " يصل الباحث إلى افتراض أن أبا المتنبي كان الإمام الغائب ، ومهما يكن من أمر فإن أمامنا حقيقتين بدهيتين في هذا الأمر، أما الأولى فهي أن المتنبي ملأ الدنيا وشغل الناس، وأنه أثار من الخصومات والعداوات ما لم يحدث مثله في تاريخنا الأدبي الطويل، وأن خصومه وأعداءه تتبعوا جميع ما ظنوا أنه مساوئه وعوراته ، سواءً بالحق أم بالباطل، فلو كان في نسبه أدني شبهة لرددوها في كل المحافل والأسمار، وهو ما لم يحدث شيء منه على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد.
هذه هي الأولى ، أما الأخرى فهي أن البحث في هذا الأمر يخص علم التاريخ وعلم الأنساب، ولا يخص الشعر من قريب أو من بعيد، وسواءً أكان المتنبي ابن أبيه أم ابن أكبر أئمة الشيعة فإن هذا لن ينقصه شيئا ولن يزيد.
ــ ألم يكن المتنبي متكسباُ بالشعر كما يرددون ؟
= يا أخي ، المتنبي عاصر ستة من الخلفاء العباسيين على مدار عمره ، ولم يمتدح واحداً منهم ببيت واحد من الشعر، وهم أصحاب السطوة والمال والسلطان. ألا يلفت هذا نظرك؟ لو كان متكسباً بالشعر لمدحهم واكتسب ما يغنيه، ولعله هو الشاعر الوحيد في منظومة الشعراء العرب الذي كان يُسعى إليه، لقد كان المتنبي يختار ممدوحيه، ويفتش فيهم عن هذه الصورة المثلي للفارس، التي تموج في نفسه وتهدر في خياله ، وهو ــ إن شئت الحقيقة ــ كان يصنع ممدوحيه، كان يُسقط عليهم ما كان يتلهّب به وجدانه هو من صورة للبطل الذي يحتوي في أعماق نفسه العظيمة وجوده وعالمه، لقد كان يصنع بشعره وجودا موازيا للوجود وإنساناً موازياً لإنسان عصره الزائف، لقد كان الشعراء في بلاط الخلفاء والسلاطين أشبه بالمهرجين الذين تنحصر أدوارهم في التسرية عن ملوكهم ، أما المتنبي فقد كان الشاعر الوحيد الذي يشترط على ممدوحيه، فإن قبلوا شروطه وافاهم، وإلا فلا ، لقد كان يجلس أحياناً على كرسي إمارة الأمير ويجلس الأمير بين يديه لكي يستمع إلى شعره، كما حدث مثلأ مع الأمير طاهر العلوي.
ثم ألا ترانا عدنا مرة أخرى إلي الخلط بين الشاعر والإنسان؟ ليكن المتنبي الإنسان ما كان أو ما أراده له كارهوه أو محبوه أن يكون ، أما الشاعر فهو المتنبي، كما قال أبو العلاء المعري.
- وماذا تقول إذن عن موقفه مع كافور الإخشيدي؟
-
= أقول ما قاله المتنبي نفسه:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بُدّ
لقد كانت لحظة انهيار عظيمة عرت المتنبي وقد مادت الأرض تحت قدميه بعد تصدع صورة البطل الأمثل التي رآها في سيف الدولة الحمداني بعد تسع سنوات من التسامي في علاقة فريدة ظلت مثاراً للدهشة في كتب التاريخ والنقد قروناً بعد ذلك، ليخرج منها المتنبي بقوله:
حببتك قلبي قبل حبك من نأى
وقد كان غداراً فكن أنت وافيا
وأعلم أن البين يشكيك بعده
فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
إلى أن يقول:
خلقتُ ألوفا لو رجعتُ إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
وهذا هو السياق الذي استدعى قوله:
ولم أر في عيوب الناس عيباً
كعجز القادرين على التمام
ث
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |