من حكمة المتنبي

كتبها د أسامة موسي ، في 22 مايو 2008 الساعة: 03:06 ص

 

 

حكمة المتنبي

ارتبط الشعر العربي ارتباطاً وثيقاً بالحكمة، وكان البحث يدور في قصيدة الشاعر عما سمي ببيت القصيد، أو المثل السائر، وعند التمعن في هذا الأمر تتضح لنا مفارقة جلية في وضعية الشاعر في المجتمع العربي، فبقدر ما يشعرنا مأثورهم: إن العرب كانت تفرح إذا أنجبت شاعراً وإذا انتجت فرسها، بقدر ما يشعرنا ذلك بقيمة الشاعر عندهم، فإنه يلقي بنا أيضاً وسط تاريخ ضخم من رداءة النظر إلي الشاعر بوصفه مهرجاً محتالاً منافقاً، يدور بشعره علي الأمراء والملوك بغية المكانة أو الرزق، وتتضح لنا هذه المفارقة فيما يتطرف به الجاحظ من خبر الشاعر الذي لم يسمه، عندما دخل علي ملك لم يسمه أيضاً، ومدحه مدحاً عظيماً انتشي منه الملك أيما نشوة، فقال لخازنه أعطه ألف دينار، فانتشي الشاعر من هذه العطية أيما نشوة، وزاد في مدح الملك، فزاد الملك في العطاء حتي كاد أن يطير صوابه من كثرة ما أمر الملك بالعطاء له،حتي إذا انتهي المجلس وذهب الشاعر إلي الخازن يستنجزه وعد الملك ، فرده الخازن وقال لم يأمر مولاي بعطاء لك، فذهب إلي مغاضبا شاكياً للملك قل الخازن، فقال له الملك: إنما صدقك الخازن ، فقال : كيف يا مولاي وقد أمرت لي بكذا وكذا ، فقال الملك : ياهذا إنك قد أسعدتنا بالكذب ، فأسعدناك بالكذب0

وإذا كانت وضعية الشاعر في المجتمع العربي بهذا الشكل المهين، فمن المفارقة التي لا تخفي أن يكون مناط شعريته هو بيت القصيد الذي يدور علي الحكمة العصية أو المثل السائر، وليس غايتنا هنا تتبع هذا الأمر أو تحليله، وإنما هو إلماح له، وما يعنينا أن الحكمة الشعرية كانت مطلباً للشعراء والنقاد معاً بل وجمهور المتلقين أيضاً، وللحكمة في شعر الشعراء مظان مختلفة، من أهمها ما يتداوله الناس والحكماء فيعمد الشعراء إليه ويصوغونه شعراً، ولا يكون للشاعر فيه عندئذ إلا فضل الصياغة وما هو بفضل، ومنها الحكمة العقلية التي يعمد الشاعر إلي نحتها مما يصور له عقله، وهذا الصنف مختلف متباين، فمنه ما قد يلمس الحقيقة ومنه ما يجانبها ومنه ما لا يتصل بها بسبيل ، أما شاعرنا فأمره مختلف إذ إن حكمته هي عصارة نفسه وجني تجربته في حياته العصية التي وصفه فيها العقاد فأبلف في الوصف، عندما قال عنه : أيب ما يكون ظافراً وأظفر مايكون خائباً0

ولعل مدارسة هذه الحكمة في شعر المتنبي يكون أجدي، وفيا يلي ثبت واف بأبيات الحكمة في شعر المتنبي علي ما تراءي لنا:

 

 

وهَبنــي  قلـت:  هـذا الصبـحُ لَيـلٌ

أَيعمــى  العــالَمونَ  عَـن الضّيـاء؟

 

* * *

 

وإذا  خَــفيتُ  عــلى الغَبِـيِّ فَعـاذِرٌ

أنْ  لا  تَـــراني مُقْلَـــةٌ عَمْيــاءُ

 

* * *

 

صَغُـرْتَ عَـنِ المـديحِ فقُلْـتَ أُهجَـى

كــأَنَّكَ  مـا صَغُـرْتَ عَـنِ الهِجـاءِ

 

* * *

 

مــا  الخِــلُّ  إِلا مَــن أَودُّ بِقَلبِــهِ

وأَرَى  بِطَــرفٍ لا يَــرَى بِسَــوائِهِ

 

* * *

 

لا  تَعــذُل المُشــتاقَ فــي أَشـواقِهِ

حــتّى  يَكُـونَ حَشـاكَ فـي أَحشـائِه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المتنبي،بيني وبين بشير عياد

كتبها د أسامة موسي ، في 21 أبريل 2008 الساعة: 15:19 م

لماذا المتنبي؟؟

حوار أجراه معي الشاعر الناقد والمحلل الساخر بشير عياد.

أين كان سينشر هذا الحوار ومتي وكيف؟،أسئلة لم أوجهها، ولم أشغل بها نفسي،لسببين أولها: المتنبي،هذا الشاعر الذي قال عنه أبو العلاء المعري،إذا قيل الشاعر مطلقاً، فإنما يقصد به المتنبي،أما غيره من الشعراء فلابد أن يذكر باسمه،ولست أدري كيف كان يمكن أن يكون لنا تراث شعري ونقدي، نرتفع به إلي مصاف أعظم الأمم ــ في مكانتها الأدبية ــ لو خلا هذا التراث من المتنبي.

إنه نموذج العبقرية التي لا تعتري العالم إلا مرة واحدة،فتترك به دويا عاصفاً لا يهدأ ، وقد وصف هو هذا الدوي لأنه الأعلم به عندما قال:

 

وتركك في  الدنيا  دوياً   كأنما

تداول سمع المرء أنمله العشر

وهذا النموذج الفذ بين العبقريات،لا يمكن أن يكون مبذولاً للناس علي إطلاقهم،لأن الإنسانية درجات،تبدأ أولها من منطقة المساس الحميم بالحيوانية، التي تنحصر حياة أفكارها ومشاعرها في إطار حواسها الخمس لا تتجاوزها،ثم تتدرج في صعودها حتى لاتحد, وعند درجة من درجات العلا العظيم يمكن للنفس الإنسانية أن تبدأ بالتقاط إشارات المتنبي وومضاته، وكلما ارتقت الدرجة ارتقي التجاوب و الائتلاف،أما الدركات الأولي فليس لها من قدرة الوعي بما أتاه المتنبي من شيء، وقد فطًّن المتنبي متلقيه لذلك،عندما قال:

وإذا خفيت عن الغبي فعاذر

ألا   تراني    مقلة   عمياء

لذلك فلا سؤال عندي عندما يتعلق الأمر بالمتنبي.

أما الأمر الآخر الذي أكد عدم السؤال، فهو بشير عياد  نفسه،إذ إنه هو نفسه نمط من المبدعين مختلف،لم يشغفه لغط النظريات والمناهج ولا وسوسة المصطلحات الجديدة ورغاؤها،وإنما أطلقته الشاعرة نفسه في فضاء الإبداع صوتا مختلفاً،لا يحتمل من العلامات والبصمات إلا ما اشتعلت نيران تجربته بأعماقه،فصار نصاً متفرداً،لم يتناص مع غيره، علي الرغم من تخمة ذاكرته الأدبية بألاف النصوص من عيون الشعر العربي وجباهه قديماً وحديثاً،وأطلق في النقد ذائقة تياهة بفرحة معانقة الجمال الكامن، الذي لا تدركه إلا بصائر العشاق وقلوب العارفين،ثم قد لنفسه من لحمة اللغة وسداها لغة تشتعل بالسخرية وتجوز بها إلي كل مفارقات الواقع وتناقضاته.

فهل يبقي للسؤال بعد ذلك موضع؟؟؟؟

 

 

الحـــــــــــــــوار

ــ لماذا اخترت شعر المتنبي موضوعًا لرسالة الدكتوراه بالرغم من أن كثيرين تناولوه قبلك؟  

=  أنا أعتقدُ أن المتنبي هو عاصمة الشعر العربي ،  وهو عاصمه، وعصمته، إن شئت، بل هو عاصفة الشعر التي ستظل تهدر وتدوي (وكأنما تداول سمع المرء أنمله العشر)، ما كان الشعر شعراً، والإنسان إنسانا، وليست العبرة عند المتنبي ــ في ذلك ــ في ابتداعاته غير المسبوقة في أدوات الشعر ومقوماته، من لغة وتراكيب وصور وأخيلة، وإنما المرد كله في كشفه الصادم لأعماق النفس البشرية ومجاهلها السحيقة ، وعلاقة هذه النفس المتناقضة بعالم أشد تناقضا وأعظم تعقيدا ً، وما شعر المتنبي إلا رحلة هذه النفس في متاهات هذا الوجود  ، ولم يكن المدح والهجاء في ذاك الوقت إلا مجرد الإطار الاصطلاحي لبنية القصيدة ,  لكي يبسط الشاعر رؤيته للعالم من خلاله، فمن الشعراء من استعبده هذا الإطار فلم يتجاوز شعره غاية المدح والهجاء في ذاتها، بالإضافة إلى  قدر افتنانه في اتباع مقومات الشعرية السائدة في عصره أو الإضافة إليها، وهم الفئة الغالبة، ومنهم من فطن إلى هذه الأحبولة فتجاوزها إلى استشراف الغاية الحقيقية للشعر وعلى رأس هؤلاء المتنبي، وليست مسألة الأطر الهيكيلية هذه مقصورة على عصر  بعينه بل هي قائمة في كل عصر أدبي وفي كل مذهب، ومن الأدباء من يستعبده هذا الهيكل فيصير عنده غاية، ومنهم من يتجاوزه إلى غايات أرحب .    

 

ــ طه حسين ، مع عشقه لشعر المتنبي ، رأيناه يشكك في نسبه ، كيف ترى هذا الالتفات ؟  

 

= لقد تأثر الدكتور طه حسين في رأيه عن نسب المتنبي بعبارة وردت عند ريجيس بلاشير عن المتنبي وهي قوله : " وهو العربي القح أو الذي يظن نفسه ذلك "  ،  وفيها لمز لعروبة المتنبي، واتسع الأمر عند الدكتور طه حسين ليصبح طعناً صريحاً في نسبه لأبيه، والحقيقة أن هناك غموضاً كثيفا في كتب التراجم والتاريخ الأدبي يحيط بنسب المتنبي ، ولكن المقطوع به أن هذا الغموض لا يمكن أن يؤدي إلي ما تصوره الدكتور طه حسين، لأسباب متعددة منها ضعف أدلة هذا الاتهام وتهافتها من مثل أنه لم يذكر أباه ولم يفخر به في شعره، ومنها أنه جعل من نفسه فخر آبائه ولم يجعل أباه مصدر فخره، وقد تصدى العلامة محمود شاكر لهذه القضية وفند أدلتها ثم أخذ في تحقيق نسب المتنبي فتوصّل إلى  أن مصدر الغموض هو في أن أباه كان أحد كبار أئمة العلويين الذين كانوا يستخفون من العباسيين تقية من بطشهم وتنكيلهم بهم، وفي كتاب "  المتنبي يسترد أباه " يصل الباحث إلى افتراض أن أبا المتنبي كان الإمام الغائب ، ومهما يكن من أمر فإن أمامنا حقيقتين بدهيتين في هذا الأمر، أما الأولى  فهي أن المتنبي ملأ الدنيا وشغل الناس، وأنه أثار من الخصومات والعداوات ما لم يحدث مثله في تاريخنا الأدبي الطويل، وأن خصومه وأعداءه تتبعوا جميع ما ظنوا أنه  مساوئه وعوراته ، سواءً بالحق أم بالباطل، فلو كان في نسبه أدني شبهة لرددوها في كل المحافل والأسمار، وهو ما لم يحدث شيء منه على الإطلاق لا من قريب ولا من بعيد.

هذه هي الأولى ،  أما الأخرى فهي أن البحث في هذا الأمر يخص علم التاريخ وعلم الأنساب، ولا يخص الشعر من قريب أو من بعيد، وسواءً أكان المتنبي ابن أبيه أم ابن أكبر أئمة الشيعة فإن هذا لن ينقصه شيئا ولن يزيد.  

 

ــ ألم يكن المتنبي متكسباُ بالشعر كما يرددون ؟

 

=  يا أخي ، المتنبي عاصر ستة  من الخلفاء العباسيين على  مدار عمره ، ولم يمتدح واحداً منهم ببيت واحد من الشعر، وهم أصحاب السطوة والمال والسلطان. ألا يلفت هذا نظرك؟ لو كان متكسباً بالشعر لمدحهم واكتسب ما يغنيه، ولعله هو الشاعر الوحيد في منظومة الشعراء العرب الذي كان  يُسعى  إليه، لقد كان المتنبي يختار ممدوحيه، ويفتش فيهم عن هذه الصورة المثلي للفارس، التي تموج في نفسه وتهدر في خياله ، وهو ــ  إن شئت الحقيقة ــ كان يصنع ممدوحيه، كان يُسقط عليهم ما كان يتلهّب به وجدانه هو من صورة للبطل الذي يحتوي في أعماق نفسه العظيمة وجوده وعالمه، لقد كان يصنع بشعره وجودا موازيا للوجود وإنساناً موازياً لإنسان عصره الزائف، لقد كان الشعراء في بلاط الخلفاء والسلاطين أشبه بالمهرجين الذين تنحصر أدوارهم  في التسرية عن ملوكهم ، أما المتنبي فقد كان الشاعر الوحيد الذي يشترط على ممدوحيه، فإن قبلوا شروطه وافاهم، وإلا فلا ، لقد كان يجلس  أحياناً على كرسي إمارة الأمير ويجلس الأمير بين يديه لكي يستمع إلى شعره، كما حدث مثلأ مع الأمير طاهر العلوي.

ثم ألا ترانا عدنا مرة أخرى إلي الخلط بين الشاعر والإنسان؟ ليكن المتنبي الإنسان ما كان أو ما أراده له كارهوه أو محبوه أن يكون ، أما الشاعر فهو المتنبي، كما قال أبو العلاء المعري.

-       وماذا تقول إذن عن موقفه مع كافور الإخشيدي؟

-        

= أقول ما قاله المتنبي نفسه:

 

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى

عدواً  له  ما  من    صداقته   بُدّ

 

 

لقد كانت لحظة انهيار عظيمة عرت المتنبي وقد مادت الأرض تحت قدميه بعد تصدع صورة البطل الأمثل التي رآها في سيف الدولة الحمداني بعد تسع سنوات من التسامي في علاقة فريدة ظلت مثاراً للدهشة في كتب التاريخ والنقد قروناً بعد ذلك، ليخرج منها المتنبي بقوله:

 

 

حببتك قلبي  قبل  حبك من  نأى

وقد  كان غداراً فكن أنت  وافيا

 

وأعلم أن  البين   يشكيك    بعده

فلست  فؤادي  إن  رأيتك شاكيا

إلى أن يقول:

 

 

خلقتُ ألوفا لو رجعتُ إلى الصبا

لفارقت شيبي موجع القلب  باكيا

 

 

وهذا هو السياق الذي استدعى قوله:

 

ولم أر في عيوب الناس عيباً

كعجز  القادرين على    التمام

 

 

ث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حرية الشعر بين حرية الشعور وأقنعة الإرادة

كتبها د أسامة موسي ، في 20 أبريل 2008 الساعة: 20:57 م

 

حرية الشعر

بين حرية الشعور وأقنعة الإرادة

 

 الإبداع والوعي .

 الشعر تعبير عن الإنسان، وإن شئنا دقة أدق، قلنا: هو الإنسان، بكل أحلامه وأوهامه، بكل تناقضاته وتضارباته، ولغة الشعر هي عالمه التي تجسد كينونته الخاصة،  تلك اللغة التي تفارق في كثير من مستوياتها لغة التواصل المباشرة، ومبعث هذه الخصوصية هو خصوصية التجربة التي تتلبس بهذه اللغة، أي أن التجربة هي التي تختار لغتها بشكل لا يكون للوعي فيه دور يذكر، ولا يعني هذا أن التجربة الشعرية تقع خلف الوعي، بمعني أنها تتكون في غياهب العقل الباطن من رموزه وشفراته التي يشفر بها مكبوتاته وانكساراته، ويستدعيها استدعاءً حراً عندما يغفل الوعي عنه، فهذا هو أضغاث الأحلام، أما المقصود بأن الوعي لا يتدخل في صياغة التجربة فهو تلقائية التعبير عن الشعور التلقائي الذي استوعب نفس المبدع في غفلة من أقنعته الاجتماعية التي يرتبها العقل في علاقته الاجتماعية، فهناك حاجز ما بين ما عليه الإنسان وحيداً أو بعيداً عن أعين الرقباء، وبين ما يبدو عليه في تواصلاته الاجتماعية، وهو في تواصلاته الاجتماعية ليس شخصاً واحداً ، وإنما هو عديد من الأقنعة بقدر عدد هذه التواصلات، ويقف العقل حارساً علي هذه الأقنعة ضابطاً لترتيبها، وتتشكل التجربة الشعرية في لغتها بعيداً عن هذه الأدوار المدبرة، أي حرية التعبير عن حرية الشعور كما يخالج النفس وكما تخالجه، دون قيود من إرادة الملاءمة و المواءمة، لأن هذا الإرادة يبعثها الخارج ، حيث يريد العقل أن يوائم بين ما ينتفض في داخله وبين ما يجب عليه أن يكونه في حضرة الآخر, فإذا غلبت حرية التجربة إرادة المواءمة فقد انتصرت للشعر، وإذا غلبتها الإرادة فقدت انسجامها واتساقها .

ومن هنا يتشكل جدل الإبداع، من هذا الصراع بين الداخل والخارج في التجربة الشعرية .

بيد أن هذا الجدل يتخذ صوراً متعددة حسب زاوية النظر إليه ووفقاً لأنه جزء من العالم، يتشكل وفق أيديولوجيات رؤية العالم، ومن ثم نري من الضروري النظر إلي بعض هذه الصور التي تعد صوراً بارزة في أفق ثقافتنا المعاصرة.

 

رؤي الإبداع

وأول أشكال هذا الصراع ، هو الجدل الماركسي، إذ إن "جوهر الجدل ( عند الماركسيين ) هو دراسة التناقضات فى الفكر والأشياء " ([1])  ليعنى تلك العلاقة الاصطدامية الارتدادية القائمة بين الطبقات، ويتحرك الإبداع في النظرية الماركسية في دائرة أيديولوجية محددة، يقوم فيها الإبداع بالكشف عن الصراع الأساسي الذي يشكل المحور الشيوعي الأهم، وهو الصراع بين الطبقات، بيد أن هذا ليس مدار حديثنا، وإنما مدارنا هو محاولة الكشف عن جدل الإبداع في وجدان المبدع، وليس عن موضوع إبداعه.

ويشتبك مفهوم الجدل الإبداعي بجدلين شهيرين آخرين ، أحدهما فى الفلسفة وهو الجدل الوجودي ، وثانيهما فى علم النفس وهو جدل الأنا والأنا الأعلى .

 أما الفلسفة الوجودية ، ونخص السارترية بالتحديد ، فالجدل فيها ناتج من نظرتها إلى الإنسان أو الموجود لذاته ـ في تصورهم ـ  على أنه رهين خبرته بالحياة التى تنتج فى الأساس من تجربة القلق أو فى تجربة القلق " وفيها يدرك الإنسان أنه موجود محدود قاصر ، ويدرك هشاشة وضعه فى العالم ، هذا العالم الذى يُلْقي إليه الإنسان إلقاءً ويدرك أخيراً أنه سائر إلى الموت" ([2])  وهذا الوجود القلق القاصر غير الغائى يضخم من حجم علاقة الإنسان بذاته التى تتمخض له - فى ضوء ذلك - عن ثلاثة أنواع من الصراع ، الصراع الأول مع العدم (لأجل الخلود)، والصراع الثانى مع الآخر (لأجل الوجود) ، ثم الصراع الثالث مع الوجود (لأجل الحرية) كما يعلن سارتر " إن الموجود لأجل ذاته ( الإنسان ) يتميز بثلاث انجذابات : ألا وهى ميله نحو العدم ، ميله نحو الآخر ، وميله نحو الوجود([3]) ثم يتلخص ذلك كله  فى ذلك الجدل العنيف بين وجود الذات  وعائقهـا " ويذهب ( سارتر ) إلى أن ثمة صدمة يشعر المرء بها كلما اعترف بوجود إنسان آخر ، وهذه الصدمة تنشأ من حرية الآخر ؛ حرية تتوعد الإنسان وتتهدده ؛ فالآخرون هم الجحيم " ([4]) .

وتتحدد علاقة الإبداع بهذا الجدل في أمر  بالغ الأهمية  هو المنشأ أو الموقف المبدئى ،   فالموقف الأساسى للإنسان فى الفكر الوجودى هو حالة القلق التى تنتاب الذات فى مواجهتها للعالم ، وحالة القلق هذه تدفع الذات إلى التقدم المستمر ، ولأن الوجود سابق على الماهية عند الوجوديين ، ومن خلال وجود الإنسان تتحقق ماهيته ـ وهو ما نؤمن بعكسه ـ ؛ لذلك فهو لا يرضى بشئ ولا يقف عند حد أبدا ، وهذه هى أزمة الذات فى تطامحها وتعاليها، وفي موقفها من الآخر  العائق والمانع ، وعلى الرغم من أن نيتشه ليس فيلسوفاً وجوديا إلا أن هناك تلاقيا ما بين فلسفته وبين الوجودية ، ولا يعنينا من أمر هذا التلاقى هنا إلا ماله صلة وثيقة  بما نحن بصدده  ،   وهو فى موقف الذات من العالم ، ذلك الموقف القلق المدفوع دائما إلى التعالى والتميز والتفرد، وهو ما أسلفناه من عدم ثبات هوية ما للإنسان الوجودى " ويكاد نيتشه يعبر عن هذا الفكرة ذاتها حين يصرح بأن الإنسان فى محاولة دائمة لا تعرف الاستقرار ، فهو لا يرضى بشئ ولا يقف عن حد . ومن هنا عُرِّف الإنسان فى كتاب زرادشت  بأنه ( خالق ذاته) " ([5]).     

 إذن فمفهوم  الجدل هو ذلك الاضطرام العنيف فى أعماق الذات للتفوق والتفرد ، الذى يدفعها دفعا إلى الاصطدام المروع مع كل ما يعوقها ومَنْ يعوقها .

  وهنا نأتى إلي الجدل الشهير الآخر وهو جدل الأنا (الذات ) مع الأنا الأعلى ( المجتمع ) فى علم النفس الفرويدى.

وقد جاء فرويد بثورة كبرى فىعلم النفس ، اعتمد فيها على طاقة        ( الليبيدو ) وهى طاقة حيوية جنسية معا ، محاولاً حل التناقض الجدلى بين الطبيعة أى الاندفاعات الفسيولوجية والنفسية وبين المجتمع ، أى الضغوظ النفسية الاجتماعية والتى هى الأنا الأعلى ، ورأى " أن الحياة النفسية(تنتظم فى صراع بين ( الأنا ) وبين مثلها الأعلى ، بين الغريزة أو الـ ( هو ) أى المعطى الطبيعى وبين ما يجب أن يكون"([6])

 وإذا كانت الفلسفة الوجودية قد رأت أن أساس الحياة هو الصراع مع الآخر ، فإن فرويد جعل الذات هى حصاد الصراع بين الرغبات والمثل ، فالصراع إذن هو البنية التحتية فى كلتا النظرتين ، إذ تنقسم الشخصية طبقا لوجهة  النظر البنيوية  إلي  ثلاثة مركبات هى : الهو id ، والأنا ego ، والأنا  الأعلى Super- ego " ([7]) والهو : مصدر كل البواعث ومستودع الغرائز ، أما الأنا الأعلى ، فهو الممثل للقيم الكائنة المفروضة ، سواءً أكانت قيماً أخلاقية أم اجتماعية ، وتكون الأنا / الذات هى حصاد الصراع بين الهو وبين الأنا الأعلى ، فى جدل متصاعد حسب الجوانب الدفاعية والاستقلالية للأنا ، وهكذا ترى هذه النظرية أن هذا الصراع التلقائى هو حقيقة التكوين النفسى " لذلك فإن سلوك الإنسان إنما هو نتاج عمل هذه القوى الثلاث ، الهو ، والأنا ، والأنا الأعلى " ([8]) .

 ويعكس ما سبق دوراناً في تفسير المنشأ الإبداعي للأدب وخصوصاً الشعر، حول مدارارت القلق والصراع، وكأن النفس المطمئنة لا يساورها الشعر ولا تساوره، ويتحول ميدان الشعر إلي ميدان للشر إذا دخل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأبجدية والمدرات الأخر

كتبها د أسامة موسي ، في 18 نوفمبر 2007 الساعة: 12:24 م

الأبجدية والمدارات الأخر

شعــــــــر

أحمد عبد الحفيظ شحاتة

 

 

 

 يعد ديوان (الأبجدية والمدارات الأخر) وغيره من دواوين الشاعر من نماذج الشاعرية الخاصة في أدبنا المعاصر، فقصائده تمتاح من شاعرية ثرة تشكل رؤية ذات خصوصية متفردة للعالم، إذ تعالج مفردات عالمه من خلال تشكيلات شعرية متشابكة ، لا يهبط بها المعني إلي درجة المقرر المتاح ، ولا ينعكس وجه العالم والأحداث فيها انعكاس ملامح مرآوية وظلال،وإنما تظل في مجاوزتها( شآبيب في خضرة الروح 00 تدفق أغنية شاعرة) كما يقول في إحدي قصائده ، كما لا تشطت في تفكيكات اللا وعي العبثية الغارقة في انهزامات هذيانها0

إنه علي أعراف الشعر، يعيد صياغة العالم بروح متجاوزة مبثوثة في تفاصيله البعيدة، جاعلة من الشعر وجهاً للحقيقة في نقائها السرمدي00

 

وها هو البحر ــ في قصيده ( وقال لي البحر) يعلن ذلك والمصابيح000

 

((المصابيح00

                يلتهب البحر صوفية 00في يديها

                ويرسم في خيطها دربه0

               يتهدج موج المواقيت 00في زيتها

               وهي تسبح في البحر00

  مثل العصافير

               تكتب بالروح أسرارها00

               وتلم خطي الليل 00

       والماء يسعي0))

 

هكذا تبدأ القصيدة بلحظة اصطياد فارهة لصورة واقعية، تنعكس في الروح رؤية إنسانية مستوعبة في بحبوحة فضائها المزدان بالألق الوجداني العميق كل تفاصيل كونها الكامن فيها وشوشات وصال يوحدها فيه ويوحده فيها  مناجاة       وعشقاً لأسطورتها الباقية0

 

ويلتفت البحر ويناجي شاعره موادداً، وحانياً، ماداً فضاءات أسراره ومواجيده، إفعاماً لروح شاعره بمناط الحقيقة00 

 

((تلفت، قال لي البحر00

                 نبض التواريخ لي0

                والليالي كتابي0

                تنفست من زهرة الجرح 0

قال : انتبه 00

                   للندي يفتح الشوق موعده0

                   تنجلي للنوافذ شمس اللغات00

                   وتولد بحبوحة للفضاء0

                   يجيش فؤاد السماك0

    انتبه 00

                  لست وحدك حلماً00

                  يخبئه الوقت بالذاكرة0

                  لست وحدك من يتكور فيه المدي00

                 أو00

                  يقلب بين جحاش الصدي ناظره ))

 

إن اللحظة التي التقطتها عين الشعر هنا ليست ذلك المشهد المألوف للبحر، وإنما هي أسرار هذه اللحظة في روح الكون المبثوثة في روح الشاعر0

 

وليس مراد القراءة لهذه اللحظة الشعرية الخاصة أن نرصد أبنيتها اللغوية، أو أن  نحولها إلي ركام من الفونيمات والمورفيمات والتراكيب، ثم نتأول العلاقات ونرصد البنية0

كما أنه لا يغنينا في شيء أن نحلل الصور والأساليب وأن نعلق علي المفردات اللغوية، أو نحدد الدلالة والمضمون0

وإنما كان المدار كله علي يقظة اللحظة الشعرية بشعريتها، علي قدرة الشاعر علي أن يظل محتفظاً بشعرية باعثه وشعرية تعبيره، وألا تسقط منه لحظته الشعرية في فخ المعني المغري بالاتصال المباشر0

 

وتظهر هذه الروح الشعرية  في حالة من أشد حالاتها تألقاً في قصيدة (( الوحي )) إذ إن الشاعر تتعلق روحه وتعتلق بلحظة فريدة في حياة الكون والإنسانية، لحظة ينحل فيها ناموس الكون أو هو ينسج من جديد في لحظته، إنه يتخلل الكون والزمان والمكان ليتشبع بكيف كان كنه الزمان والمكان في لحظة نزول الوحي ، إنه يرصد اللحظة ذاتها، لا يصفها ولا يقرر سمات تكون عليها، إنه يعايشها مبثوثاً في روح الكون عندما صدر الأمر الإلهي بأن يغمر هذا الهدي كون الله إلي آخر قضائه0

إن وقوف الروح في نسائم هذه اللحظة مغامرة من أكبر مغامرات الشعرــ فيما أظن ــ علي الإطلاق0

 

وقد نجت هذه التجربة الفريدة من السقوط في أسر المعاني الدينية التقريرية والتجارب المخزونة واجترار الأدعية المكرورة ، التي تحول النص الديني إلي نوع من التخشع المدعي، فيتحول إلي صدقة يجبر الشاعر نفسه عليها ابتغاء الأجر والثواب، أو زكاة عن نعمة الشعر التي يري أنها واجبة عليه، كزكاة الزروع والثمار0

 

لقد ظل وهج التجربة قائظاً ، متأبياً علي اجترار التاريخ، أو الثوابت، وظلت اللحظة مستعلية بذاتها في لغة من صنعها، تشكل نظامها الذاتي في لحظة تشكيلها للعالم ا لخارجي تشكيلاً ذاتياً، تدور أبجدياتها في مدارات أخر لم يألفها تاريخها، فتظل حالة شعري فريدة0

 

 

((نفحة من عرار ندي الفجر00

     دفاقة0

وبحــــار00

                 خطي النور فيها تمور0

 

طيور المواقيت صداحة00

 

      والبراري 00

                   حمائم من فرح00

                   في حرير الفضاءات00

       ترفل هالاتها0

 

الملائك تياهة،

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المتنبي

كتبها د أسامة موسي ، في 18 نوفمبر 2007 الساعة: 11:40 ص

المتنبي 

لولا المشقة ساد الناس كلهم 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المتنبي

كتبها د أسامة موسي ، في 10 نوفمبر 2007 الساعة: 02:41 ص

 

حتي رجعت وأقلامي قوائل لي

                      المجد للسيف ليس المجد للقلم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ألق الشعر والسيسبان

كتبها د أسامة موسي ، في 6 نوفمبر 2007 الساعة: 02:22 ص

أََلَقُ الشعر والسيسبان

قراءة في قصيدة  (فضاء )

للشاعر عبد المنعم كامل

 

القصيدة

 

(((فضـــــــــــــاء)))

 

 

 

لقريتنا في مغاربها0

 

                      طائران:

 

      كلامي ,

 

     وسيدة في الحديقة0

 

 

 

هما غامضان0

 

وخلف عيون الظلام السحيقة000

 

        يموران,

 

        يصطرخان،

 

         ويختلجان00

 

 

يحطان في منبعين ويختلطان0

 

 

 

فلا تعرف القرية الفرق بينهما000

 

                           في الجذور الغريقة0

 

 

وفي الفجر يبتهلان0

 

لعلهما قبل أن تشرق الشمس000

 

             ينعتقان0

 

 

 

 

فضاء من السر والوجد في كل آن0

 

وليس هو الشعر0

 

وليس هو السيسبان0

 

                         ولكنه مايجيش0

 

وفي الشعر والسيسبان يعيش0000

 

                         وليس تبوح به الشفتان0

  

 

 

 

 

يضعنا عبد المنعم كامل في (أسئلة سفره) في منطقة من أشد مناطق الشعر وهجاً وإثارة عندما يرتقي بالمتلقي إلي معانقة لحظته الشعرية الخاصة، أو عندما يستدرجه رويداً رويداً إلي حالة شعرية تتأبي علي التحول إلي أي معادل آخر،  فلا هي تتمخض للباحث عن معانٍ محددة تبعثه إلي صبها في منظومة ما يجد من معاني الأشياء، ولا هي تشغله بمحسنات وزخارف وتوشيات، ولا هي تحيله إلي تضادات ومتناقضات،فيجرد بنياتها ويتتبع علاقاتها، هي لا تفعل شيئاً من هذا، وإنما تحمله حملاً إلي حالة من الوهج الشعري الذي انسابت فيه روحه وانداحت به اندياح النغم في أصداء الفضاء0

والقصيدة التي تحملنا فيها هي التي تحمل العنوان نفسه (فضاء)، وعلي الرغم من أن عنوان النص يكون في الأغلب الأعم مقصوداً وواعياً،  لكنه في هذا النص يبدو وكأنه هو الحالة الشعرية نفسها ، التي تغمر المتلقي فيتوحد فيها، لا لكي يري من خلالها، وإنما لكي لا يري إلا إياها0

((لقريتنا في مغاربها طائران ..

             كلامي،

                   وسيدة في الحديقة0))

 

بهذا الاستهلال ينساب النص لنسج جوه المفارق، جو القرية بإيحاءايها الواسعة التي لا يعمد النص فيما بعد إلي أي محاولة لتحديدها، بل يضيف إلي أجوائها ما يصعد من كثافة الإيحاءات التي تبدو وانية مستخفية،( في مغاربها)، إن الإيحاءات لا تتحدد عندما تنحصر في المغارب، فإذا كان الغروب هو أفول النهار، فإنما هو إيذان برحلة أخري تنساب فيها الروح من محابسها، وإنما هو إعلان الانفلات من قبضة القائم بالضرورة لا بالألفة والهوي، ولفظ المغارب المجموع يحدد منذ بدء النص أنه لا انتهاء، فلكل مغرب متجدد لقريتنا ( طائران) هما هما الطائران المغربيان، ثم يدخل النص في خصوصيته الشعرية المفارقة لمألوف العلاقات النهارية الواضحة والمحددة والعقلية التي تصلح للمحاجة والاحتكام،إذ ينشئ منطقه الوجداني الخاص ، فيفارق إنسانية المجموع ويشاركها في آن،فالطائران: (كلامي، وسيدة في الحديقة)0

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb